محمد حميد الله
30
مجموعة الوثائق السياسية للعهد النبوي والخلافة الراشدة
لغة الوثائق كلّ لسان حيّ ينصبغ في كل عصر بصبغ خاصّ يمتاز به . وأصحّ حجة للسان العربيّ المعاصر لهذه الوثائق السياسية القرآن المجيد المحفوظ إلى الآن من كل اختلاق وتحريف حتى في رسم خطه . ولولا رواج الرواية بالمعنى لألحقنا الحديث النبوي كله بهذا القبيل . لم يزل المسلمون من ناطقي الضاد قديما وحديثا يهتمون بالقرآن . ومع هذا نجد بعض الكلمات القرآنية قد بطل استعمالها أو تغير مفهومها ؛ وإذن فالوثائق التي نجد فيها مثل هذه الكلمات نميل إلى تصديق صحّتها ، فكلمة « حق » - مثلا - قد استعملت ( في الوثيقة 90 ) في معنى « الزكاة » بدل معنى « الصحة » أو « ما يستحقه الإنسان » ، وكذلك كلمة « كتاب » نجدها ( في الوثيقة 1 ) في مفهوم « الفرض » بدل « التصنيف » أو « المكتوب » ، وكذلك كلمة « غلب » ( في الوثيقة 294 ) في معنى « المغلوبية » بدل « الغالبية » ، وكذلك كلمة « ذكر » ( في الوثيقة 316 ) في معنى « الصلاة » بدل « ما يذكر الإنسان » ، إلى غير ذلك من الكلمات القرآنية . ومن جهة أخرى لا يلزم أن يكون كل مكتوب مشتمل على غريب اللغة أو قديمها صحيحا . فربما نرى من تاريخ الأدب العربي أن « المتلغويين » وضعوا عبارات بألفاظ غريبة شاذّة تفاخرا بمعرفتهم بالغريب . وقد أهمل ابن الأثير [ ( راجع أدناه الوثيقة 168 ) زيادة الطبعة الرابعة ] نقل مكتوب منسوب إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم وقال : « تركنا ذكره لانّ رواته نقلوه بألفاظ غريبة وبدّلوها وصحّفوها » . وهذا هو السبب الباعث عندي لقلّة إمكان صحة الوثيقة 133 . نظن أنّ أسلوب الإنشاء العربي في ذلك العصر كان سلسا فصيحا جامعا مانعا بريئا من الإطناب والتكلّف . ولهذا إذا رأينا في بعض المكاتبات المنسوبة إلى ذلك العصر الصناعات اللفظية التي لا طائل تحتها زادت شبهتنا في صحتها . من ذلك مثلا نصوص المراسلة مع المقوقس على ما رواه الواقديّ ( الوثيقتين 51 ، 52 ) والقسم الأول من الوثيقة 91 ، وبعكس ذلك نجد الوثيقة